الهالك حسين بدر الدين الحوثي.. ذكرى طائفية تُموَّل من قوت اليمنيين
تحوّل مليشيا الحوثي ذكرى مقتل الهالك حسين بدر الدين الحوثي إلى واحدة من أخطر الأدوات السياسية والاقتصادية والفكرية التي تستخدمها لترسيخ مشروعها الطائفي، عبر منظومة منظمة من الجبايات، واستنزاف مؤسسات الدولة، وتجويع المجتمع، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي على أسس مذهبية مغلقة، في واحدة من أكثر صور الاستغلال فجاجة للدين والقرآن في التاريخ اليمني المعاصر.
حيث تعيش المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرة المليشيا، في أواخر شهر رجب من كل عام، على وقع حملة قسرية شاملة تُفرض على المؤسسات الحكومية والخاصة، والمدارس والجامعات، والأسواق والتجار، تحت مسمى إحياء ذكرى من تسميه المليشيا “شهيد القرآن”. غير أن هذه الذكرى، في جوهرها الحقيقي، لا تمت للقرآن أو الذاكرة بصلة، بقدر ما تمثل موسماً سنوياً منظماً للنهب، والتعبئة الفكرية، وتكريس الهيمنة الطائفية.
نهب منظم تحت غطاء ديني
تُجبر الوزارات والمصالح الحكومية والسلطات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين على تنظيم فعاليات خطابية وثقافية، ورصد موازنات ضخمة لتجهيز المنصات، وطباعة اللافتات، وتمويل الأنشطة، في وقت تعجز فيه تلك المؤسسات نفسها عن صرف مرتبات موظفيها أو تشغيل مرافقها الخدمية. وتُستنزف إيرادات الدولة، بما فيها الموارد المحلية والخدمية، لصالح مناسبة أيديولوجية لا تخدم سوى مشروع المليشيا.
ويمتد الاستنزاف إلى القطاع الخاص، حيث تُفرض على التجار ورجال الأعمال جبايات وإتاوات قسرية تحت مسميات “دعم الفعالية” أو “المشاركة في الذكرى”، مصحوبة بالتهديد بالإغلاق، أو فرض الغرامات، أو الملاحقة الأمنية. وبذلك تتحول الذكرى إلى سوق ابتزاز مفتوحة، تُنهب خلالها مليارات الريالات سنوياً خارج أي إطار قانوني أو رقابي.
مجتمع مسحوق واقتصاد حرب
في مقابل هذا الإنفاق الدعائي القسري، يعيش المواطنون أوضاعاً معيشية كارثية: مرتبات مقطوعة منذ سنوات، أسعار ملتهبة، خدمات شبه معدومة، وانهيار شامل لشبكات الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، يُطلب من المواطن أن يموّل، من قوت أطفاله، مشروعاً طائفياً لا يعترف بحقوقه ولا بكرامته.
هذا التناقض الصارخ يكشف أن المليشيا لا تدير دولة، بل اقتصاد حرب قائماً على التجويع المنهجي، وتحويل المجتمع إلى خزينة تمويل مفتوحة لمشروعها الطائفي والسياسي والعسكري.
التعليم كمنصة تعبئة
يُعد قطاع التعليم من أكثر القطاعات استهدافاً خلال هذه الذكرى. المدارس والجامعات تُجبر على تنظيم فعاليات ومسابقات ومحاضرات تمجّد الهالك حسين بدر الدين الحوثي بوصفه نموذجاً دينياً وفكرياً يُقدَّم للأجيال باعتباره مرجعية لا يجوز تجاوزها. ويُساق الطلاب قسراً للمشاركة، بينما يُجبر المعلمون، المحرومون من رواتبهم، على تنفيذ برامج تعبئة تتناقض مع جوهر التعليم ورسالة المدرسة.
بهذا النهج، تحوّل المليشيا المؤسسات التعليمية من فضاءات للمعرفة إلى معامل لإعادة إنتاج الطاعة والولاء، وقمع التفكير النقدي، وتكريس الانتماء الطائفي على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
قطاع صحي منهار واحتفالات زائفة
في الوقت الذي تعاني فيه المستشفيات من نقص الأدوية والمستلزمات، ويعمل الأطباء دون رواتب، ويُترك المرضى لمصيرهم، لا تتردد المليشيا في إنفاق الأموال على مهرجانات وفعاليات دعائية، في مشهد يعكس استخفافاً صارخاً بحياة الناس، ويؤكد أن صحة المواطن ليست أولوية في قاموس المشروع الحوثي الطائفي.
استغلال القرآن وصناعة القداسة
الأخطر من النهب الاقتصادي هو الاستغلال الممنهج للقرآن الكريم لإضفاء هالة قدسية على شخص الهالك حسين بدر الدين الحوثي.
فقد عملت المليشيا على إلصاق لقب “شهيد القرآن” به، وربط مشروعها السياسي والعسكري بهوية قرآنية مزعومة، لتقديمه بوصفه قائداً أسس “مشروعاً قرآنياً” لمواجهة ما تسميه الاستكبار.
وتُحيي المليشيا، هذه الفزاعة التي تطلق عليها "الذكرى السنوية" بخطابات وفعاليات تزعم استلهام الدروس من مسيرته، وتجديد الالتزام بمبادئه، وإطلاق شعارات سياسية مثل “البراءة” ضد أمريكا وإسرائيل، وربط ذلك بالقضية الفلسطينية، في توظيف انتقائي للنص الديني يخدم أجندة المليشيات ولا يخدم القرآن ولا قضايا الأمة.
وتؤكد خطابات المليشيا أن مصرع حسين الحوثي لم ينه مشروعه، بل وسّع فكرته، وأن ما تسمى “المسيرة القرآنية” تمثل امتداداً له، يقوده حالياً
شقيقه عبد الملك الحوثي، في محاولة واضحة لصناعة تسلسل ديني ـ طائفي سياسي يمنح القيادة صفة العصمة، ويغلق باب النقد والمساءلة.
مرجعية طائفية بديلة
بهذا المسار، لا تكتفي المليشيا بتخليد شخص، بل تعمل على إعادة تشكيل المجتمع، عبر تحويل الهالك حسين بدر الدين الحوثي إلى مرجعية دينية وفكرية بديلة، على غرار النموذج الخميني، تُفرض على المجتمع بالقوة، وتُقدَّم باعتبارها الامتداد الصحيح للدين، في ضرب مباشر للدين وامتداد للفكر الخميني الشيعي للتعددية وإلغاء الوعي الديني والفكري الصحيح الذي عرفه اليمن عبر تاريخه.
خلاصة كاشفة
ما يجري في مناطق سيطرة الحوثيين ليس إحياء ذكرى، بل مشروع متكامل للنهب والتجويع والتجهيل، يُستخدم فيه الدين غطاءً، والقرآن أداة، والدولة غنيمة، والمواطن وقوداً.
إنها ذكرى مفروضة بالقوة، تُموَّل من جوع وقوت اليمنيين، وتُدار بعقلية المليشيا، وتكشف بوضوح أن هذا المشروع لا يؤمن بالدولة، ولا بالمواطنة، ولا بحقوق الإنسان، بل يقوم على الهيمنة والاستنزاف وتكريس الطائفية، مهما كان الثمن الإنساني.