في ظل التفكك العالمي.. مسارات الوحدة والهروب في اليمن

في 3 أكتوبر 1990م تم توحيد ألمانيا الحديثة بعد سقوط جدار برلين عام 1989 ما مهد لاندماج الألمانيتين الشرقية والغربية ليمثل ذلك آخر أحدث نماذج الوحدة في القرن الماضي، والذي بدوره شهد حالات لافتة من الانقسامات والاستقلالات وصراعات التفكك في العصر الحديث.

شواهد التفكك 

ففي القرن العشرين انهارت الإمبراطورية العثمانية وتفككت المنظومة الاستعمارية للإمبراطوريتين الفرنسية والإنجليزية،  وتقسمت الإمبراطورية النمساوية-المجرية بعد الحرب العالمية الأولى إلى كل من النمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وغيرها، لتتفكك يوغوسلافيا تدريجيًا بين 1991–2006 إلى عدة دول،  بينما انقسمت تشيكوسلوفاكيا سلميًا 1993 إلى التشيك وسلوفاكيا.. إلى ذلك تحولت الإمبراطورية الروسية / روسيا القيصرية في 1917م إلى الاتحاد السوفييتي 1922م، ودول مستقلة مثل فنلندا وبولندا، بدوره تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 إلى 15 دولة مستقلة، منها: روسيا، أوكرانيا، ليتوانيا، أرمينيا، جورجيا، وفي حين استقلت الهند البريطانية 1947، فقد انقسمت بعد ذلك إلى ما يعرف حالياً بالهند وباكستان، لتنفصل بعد ذلك بنغلاديش عن باكستان في  1971م..

 

نماذج وحدوية

في خضم هذا التفكك، كان اليمن يسابق الزمن إلى توحيد شطريه الشمالي والجنوبي بعد التحرر من الإمامة والاستعمار، وقد تم توطيد مسارات الوحدة بإعلان الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م، ليعود اليمن إلى الأصل ويتجاوز الاستثناء، ويمثل أبرز النماذج الوحدوية في القرن العشرين.

وعلى خلاف القرن الحادي والعشرين الذي لم يشهد نماذج للوحدة، كان قد شهد القرن العشرين نماذج معدودة؛ منها توحيد فيتنام الشمالية والجنوبية رسميًا في 2 يوليو 1976، بعد حرب مدمرة 1955–1975، انتصرت فيها فيتنام الشمالية بتوحيد البلاد تحت اسم دولة فيتنام الاشتراكية... وإلى جانب ألمانيا واليمن كانت هذه أبرز النماذج للوحدة كأصلٍ لدولٍ تقسمت ثم توحدت في آخر قرنين.

على غرار الإمبراطورية الألمانية التي تأسست لأول مرة عام 1871، من خلال اتحاد العديد من الممالك والإمارات والمناطق المتفرقة، مثلت المملكة العربية السعودية نموذجا مشابها، إذ تأسست الدولة السعودية في 22/2/1727م على يد الإمام محمد بن سعود،  وعبر مسار طويل جمع فيه بين العمل السياسي والعسكري، استمر الملك عبدالعزيز آل سعود نحو 30 عامًا لاستعادة المناطق والتحالفات مع القبائل وأهل الأقاليم، إلى أن أعلن توحيد البلاد رسميًا في 23 سبتمبر 1932م، معتمدًا اسم المملكة العربية السعودية ورايتها الخضراء مع كلمة التوحيد، الأمر الذي لا يزال ينظر إليه باعتباره إنجازًا تاريخيًا بارزًا، توحدت بموجبه دولة لا تزال محل إبهارٍ حتى اليوم، وفي طريقة مشابهة وبشكل متأخر تأسست وتوحدت الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971م بعد أن كان يطلق عليها قديماً اسم "الغبراء" ومن ثمّ "ساحل عُمان" تيمّنًا لاتّصالها بسلطنة عُمان.

 

اليمن الكبير 

تتشابه الحالة السعودية والألمانية في أنهما قامتا كدول جديدة بإطار جغرافي ومسمى حديث، وما بينهما وبين بقية النماذج، كان اليمن الكبير الموحد هو الأصل، يتجاوز تاريخه آلاف السنين وتتجاوز جغرافيته ما هو أبعد من الحدود الحالية، فهو الذي احتضن حضارات سبأ ومعين وحضرموت وقتبان،  وتوحد تحت رايات مختلفة كالحميرية، والصليحية، والرسولية وغيرها، في تعبير تاريخي واضح عن كيان حضاري واحد، تتغير مراكزه السياسية دون أن تتشظى هويته، أما ما تشهده البلاد حاليا من محاولات الانقسام فليس إلا محاولة لإعادة الوضع الذي كانت عليه البلاد في سياق الاستعمار البريطاني في الجنوب والتحولات الأيديولوجية في الشمال، وبهذا يمكننا اعتبار أن الأمر ليس إلا نتاج القرن العشرين لا خلاصة التاريخ اليمني، ما يعطي شرعية تاريخية لفكرة أن التشظي هو الاستثناء، والوحدة هي الأصل الجيوسياسي.

 

مسارات الوحدة اليمنية 

عبر العديد من المسارات والتضحيات والجهود ظلّ شعار الوحدة حاضرًا في أدبيات وأهداف النظامين في الشمال والجنوب منذ ستينيات القرن الماضي، وفي السبعينيات وتحديداً في اتفاقية القاهرة  1972 تم وضع أول إطارٍ رسمي نظري لها، وبعد مواجهات عسكرية بين الشطرين جاءت قمة الكويت عام 1979م لإعادة التأكيد على مبدأ وخيار الوحدة، بينما شهدت الثمانينيات تحولات حاسمة قادها الرئيس علي عبدالله صالح في الشمال، والأنظمة المتغيرة في الجنوب، كان منها اكتشاف النفط على الحدود بين مأرب وشبوة عام 1984 ما خلق ضرورة للتنسيق بين الجانيين، ثم لعبت الصراعات بين أجنحة النظام في جمهورية اليمن الديمقراطية إلى جانب انهيار الاتحاد السوفييتي وخسارتها أكثر من نصف مساعداته بين 1986 و1989، في دفع قيادتها بزعامة علي سالم البيض نحو الوحدة ضمن خيارات النجاة اقتصاديا، جاء بعد ذلك اللقاء التاريخي في عدن نوفمبر 1989م فيما عرف باتفاقية "نفق جولدمور" التي أقر فيها صالح والبيض دستور دولة الوحدة، متجاوزين سنوات من الحروب الشطرية، بعدها مباشرة جاءت اللحظة الخاتمة والحاسمة بإعلان الوحدة ورفع علم الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990 بمدينة عدن، معلنين بذلك اندماجاً كاملاً بين الشطرين في الدولة الأم يتضمن فترة انتقالية مدتها 30 شهرًا، وهو الأمر الذي يمكنني إسقاطه هنا على قوله تعالى: { وَوَصَّیۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ بِوَ الِدَیۡهِ إِحۡسَـٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡها وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِینَ سَنَة قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ وَعَلَىٰ وَ ٰلِدَیَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَـٰلِحا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِی فِی ذُرِّیَّتِیۤۖ إِنِّی تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَإِنِّی مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ }[سُورَةُ الأَحۡقَافِ: ١٥]، وسواء كان المولود هنا هي الوحدة أو الإنسان اليمني ككل، فللأسف لم ينضج عودها بعد حتى لجأ البعض إلى العقوق ما جعله يتمرد على ذاته ويسعى للهروب من التماسك إلى الانقسام ومن الهوية إلى صراع العنصرية وبالتالي الفرار من الأم إلى أحضان مرضعات أخريات..

 

محاولات الهروب 

الحقيقة أن الرئيس صالح نظر إلى الوحدة باعتبارها منجزا وطنيا وقدرا يمنيا لا يمكن الالتفاف عليه أو الهروب منه، وربما نظر إليها الرئيس علي سالم كمشروع وطني لكن مع اعتبارات الربح والخسارة، ومضى كل منهما بعد الوحدة في توسيع طموحاته ونفوذه شمالا وجنوبا فحدثت في هذا الإطار العديد من التخوفات والمماحكات التي هددت البلاد لاحقا، ولأن الوحدة كانت هي نافذة اليمن إلى التجربة الديمقراطية فقد جرت في العام 1993م أول انتخابات نيابية قائمة على التعددية الحزبية في البلاد، وفي هذه الانتخابات جاء الحزب الاشتراكي ثالثا بـ56  مقعدا بعد المؤتمر الذي اكتسح بـ123 مقعدا يليه الإصلاح بـ62 مقعدا، هنا وجد الاشتراكي نفسه -بعد أن كان الشريك الأوحد في الحكم-  في إطار ائتلاف حكومي ثلاثي ضمن الثلاثة الأحزاب المتقدمة. 

ورغم موافقة الاشتراكي المبدئية على هذه النتيجة، إلا أن البيض بدأ مسارًا تدريجيًا في تعطيل الشراكة والهروب من الاستحقاقات الديمقراطية، ولتصحيح الوضع وحل الخلافات وقع الطرفان وثيقة العهد والاتفاق  في فبراير 1994 بمدينة عمّان في الأردن، لكن البيض لم يرجع بعد التوقيع إلى صنعاء لبدء التنفيذ، بل عاد إلى عدن، كوسيلة ضغط سياسي، ثم تحول هذا الموقف إلى قطيعة كاملة، وشيئا فشيئا صارت المعطيات تشير إلى الانفصال، وبدأت الشرارة في أبريل 1994 بمواجهات في عمران، رد صالح بخطاب ميدان السبعين الشهير في 27 أبريل، وفي 21 مايو أعلن البيض الانفصال من عدن، واشتعلت حرب صيف 94 لتنتهي في 7 يوليو بانتصار مشروع الوحدة المباركة، وهروب البيض إلى عُمان وآخرون فروا عبر مسارات مختلفة إلى بلدان أخرى.

 

المشهد الجديد 

تحولت أحداث ما بعد 94 إلى مظلومية سياسية ورافعة جديدة للنيل من مشروع الوحدة ومحاولة القفز عليها، حتى أصبح الأمر صراعا للنكاية بصالح وطريقة إدارته للمرحلة، باعتبار أن الوحدة كانت خياره الاستراتيجي، وأنه واجه خصومها في حياته وبعدها.

تطور الأمر بعد 2015, وحاول المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تم إعلانه 2017م محاكاة التجربة الحوثية في الانقلاب على الدولة باسم مظلومية صعدة، ولم تعد الوحدة هي المستهدفة فحسب، بل فكرة الدولة الوطنية ذاتها، وعبر سلسلة من الأساليب والممارسات تحولت الشعارات إلى لغة عنصرية ضد الهوية، وتم تعطيل المؤسسات الحكومية والاستهزاء بكل الثوابت والرموز المتعلقة بالدولة اليمنية، واستمر أيضا استغلال الوضع الحالي في تكريس الانقسام بكل مستوياته، ما أدى إلى تعميق الازمات بدلا عن حلها، وصولا إلى محاولة فرض القوة في السيطرة على حضرموت والمهرة خلال ديسمبر 2025م وانتهى الأمر باستهداف رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي، في عدن ومحاولة اختطافه كما تم اختطاف الدولة من قبل، وهو الأمر الذي تم مواجهته بحزم قوي أدى في الأخير إلى إفشال مكون الانتقالي، ودحره عن تحقيق هدفه من الانفصال بهذه الطريقة، وفرار رئيس الانتقالي عيدروس الزبيدي إلى خارج الوطن، وقد التزمت الدولة وبدعم كامل من المملكة العربية السعودية بإيجاد حل عادل للقضية الجنوبية ومعالجة مظلوميتها، وهنا يتبدى المشهد بوضوح: لم يعد الصراع بين وحدويين وانفصاليين، بقدر ما صار بين من يتمسكون بإمكانية الدولة، ومن يفرّون منها نحو كيانات أصغر لتحقيق مصالح خارجية وبسرديات مظلومية غير مكتملة.

 

وختامًا

 لا يمكن قراءة ما يجري في اليمن اليوم بوصفه صراعًا بين وحدة وانفصال، بل باعتباره صراعًا بين الأصل والاستثناء، بين كيان تاريخي جامع، ومحاولات متكررة لإعادته إلى لحظة عابرة من التفكك، صاغها الاستعمار، وكرّستها الإمامة، وأعادت إنتاجها التدخلات الخارجية والأطماع والحروب، وهنا يجب الاعتراف مهما كانت الوحدة بحاجة إلى مراجعة إلا أنها ليست خطأ تاريخيًا يجب إلغاءه، إنها مشروع يحتاج إلى إصلاح عميق، وإرادة وطنية تتجاوز حسابات الأشخاص… وهذا ما غاب، ويغيب، عن أعداء الوحدة قديمًا وحديثًا.

 وهكذا، وبين قرنٍ شهد تفكك الإمبراطوريات واندماج الدول، يقف اليمن مرة أخرى أمام سؤاله الجوهري: هل يعود إلى أصله كدولة جامعة تتسع لتعددها، أم يستسلم للاستثناء، ويعيد إنتاج الهروب في صورة أوطان أصغر، وأزمات أكبر؟!

*مدير تحرير مجلة جرهم